ابراهيم بن عمر البقاعي

607

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

لي الجنة والنار « 1 » » انتهى . وفي القاموس : المثل - بالكسر والتحريك وكأمر : المشبه ، والمثل محركة : الحجة والحديث والصفة ، والمثيل : المقدار والقصاص وصفة الشيء والفراش ، جمعه أمثلة ومثل ، والتمثال - بالكسر : الصورة ومثل قائما : قام منتصبا كمثل بلاضم مثولا - انتهى . وفي شمس العلوم : والعرب تقيم المثل مقام النفس فتقول : مثلي لا يقول هذا أي أنا انتهى . فقد بان أن المثل بالإسكان والتحريك واحد ، وأنه في الأصل عبارة عن نفس الشيء وصورته ، ثم شاع فيما يشابهه ، فمعنى مثل أي انتصب تشكل وتصور فكانت له صورة وشكل لأن بالانتصاب تتحقق صورته وتظهر ، وكذا مثل بمعنى لصق بالأرض وإن كان ظهوره بالقيام أوضح ، وكذا مثل إذا زال عن مكانه لأنه حصل الانتصاب أو اللصوق ، وزاد الانتقال ، ويوضح ذلك قولهم : مثله له - إذا صوره حتى كأنه ينظر إليه ، فعلم قطعا أن معنى الآية ما قلته ، وأنه لو قيل لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، من غير كاف ، لربما قال بعض أهل التعنت : هذا معناه أنه ليس شيئا ، لأنا قد علمنا أن المثل هو الشيء ، وقد كانوا يتعنتون بدون هذا ، فأتى بالكاف إزالة لهذا التعنت مع العلم القطعي بأن ظاهر ما نفهمه غير مراد ، لأنه يؤدي إلى محالين هما في غاية الضمور يحاشى عن أحدهما فكيف إذا اجتمعا من له أدنى حكمة فكيف بأحكم الحكماء ، أحدهما أن له مثلا ، والثاني أن مثله لا مثل له مع الحكم بأنه مثله ، وذلك تناقض ظاهر يتعالى اللّه عن إرادة مثله علوا كبيرا - واللّه الموفق . ولما كان قد أبطن نفسه سبحانه بهذا التنزيه إبطانا عظيما ، وكان هذا الإعراق في البطون لا تحتمله العقول ، فلا يؤمن عليها النزوع إلى التعطيل ، قربه بنوع ظهور بذكر ما نعقله من الأوصاف بعد الأمن من التشبيه لمن يأمل الكلام ، وحكم العقل وطرد الوهم ، فأتى بأوضح ما نحسه من أوصافنا . وأظهره مع استلزامه لبقية الصفات فقال : وَهُوَ أي والحال أنه لا غيره السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * أي الكامل في السمع والبصر والعلم من البصر والبصيرة ، ومن المقطوع به أن ذلك لا يكون على وجه الخصوص إلا بالوحدانية والحياة والقدرة والإرادة والكلام ، فاستوفت هذه الآية ما لوح إليه العاطف في قوله « وما اختلفتم » بعد ما صرح به ، فاللّه هو الولي من أصول الدين بالصفات السبع على أتم وجه - واللّه الموفق ، قال الحرالي : السمع إدراك ألطف المثلين وهو الاسم ، والبصر إدراك أظهر المثلين وهو الصورة ، وبالحق سبحانه بدأ كل مثل لطيف فهو السميع بالحقيقة أن

--> ( 1 ) أخرجه ابن أبي شيبة 14 / 70 ومسلم 2856 وأبو يعلى 6121 وابن حبان 7490 من حديث أبي هريرة بلفظ « عرضت عليّ النار . . . » الحديث ولم أره بلفظ « مثلت » والمعنى واحد .